الشيخ محمد إسحاق الفياض

65

المباحث الأصولية

الحق للمظلوم في المرتبة السابقة ، إذ معنى الظلم هو سلب ذي حق حقه وعنوان الظلم عنوان مشير إلى ذلك ، فإذن ليس هنا قضيتان مستقلتان موضوعاً ومحمولًا ، بل القضية الثانية تمام الموضوع والملاك للقضية الأولى وهي قضية قبح الظلم وحسن العدل ، ومن الواضح ان العقل إنما يحكم بقبح الظلم وحسن العدل بعد إحراز موضوعه وملاكه ، ومع الشك فيه وعدم إحرازه لا يحكم بذلك ، ومن الطبيعي أن حكم العقل بقبح الظلم أو حسن العدل لا يكون إلا بعد إحراز تمام موضوعه وملاكه ، أو فقل إنه إذا صدق عنوان الظلم في الخارج وتحقق ، فلا شبهة في قبحه وإنه أمر فطري أولي فلا يحتاج إلى أي مؤنة زائدة ، وأما إنكار الأشاعرة قبح الظلم فهو مكابرة منهم في مقابل أمر فطري ضروري ، بل لهم طفرات أخرى لا تقل عن ذلك ، كإنكارهم حدوث القرآن وكونه قديماً والاختيار للإنسان وكونه مجبوراً لا حول له ولا قوة ، فإن كل ذلك خلاف الضرورة والوجدان ، هذا إضافة إلى أنهم لا ينكرون إدراك العقل قبح الظلم وحسن العدل ، وإنما ينكرون ان فعل العبد لا يتصف بالقبح أو الحسن بملاك ان فعله لا يكون اختيارياً حتى يتصف بالحسن أو القبح . وأما ما ذكره ابن سينا من أنه لولا بناء العقلاء عليهما ، فلا يحكم عقلنا بقبح الظلم وحسن العدل ، فهو مبني على نقطة خاطئة وهي تخيله ان إدراك عقله قبح الظلم وحسن العدل إنما هو من جهة بناء العقلاء عليهما لا من جهة الفطرة ، مع أن لازم ذلك هو ان العقل لا يدرك قبح الظلم قبل وجود العقلاء على سطح الأرض وهو كما ترى .